حسن الأمين
84
مستدركات أعيان الشيعة
تجعل قراءتك له مثل قراءة سائر الكتب ، بل ينبغي أن تكون قراءتك للكتب مرة في الشهر ، وأما « الحدود » فينبغي أن ينظر فيه كل ساعة ، وان إعطاء الحد أعظم ما في الباب « ( 1 ) ، وأنه في ذلك لعلى حق ، لأنك إذا أحسنت تحديد المعنى الذي تتحدث فيه ، قطعت بذلك شوطا بعيدا من طريق البحث الموفق السديد . يقول جابر في كتابه : « الحدود » ( 2 ) إن الغرض بالحد هو الإحاطة بجوهر المحدود على حقيقته ، حتى لا يخرج منه ما هو فيه ، ولا يدخل فيه ما ليس منه ، فإذا ما حدد الموضوع تحديدا تاما ، صار لا يحتمل زيادة ولا نقصانا ، والتحديد التام إنما يكون بذكر الجنس الذي يندرج تحته النوع المراد تحديده ، ثم بذكر الفصل الذي يميز ذلك النوع من بقية الأنواع التي تندرج معه تحت جنس واحد . وقد قيل في الحد إنه لا يحتمل الزيادة والنقصان ، لأنك إذا زدت من الحد أدى ذلك إلى نقصان المحدود ، كان تضيف إلى حد الإنسان « بأنه حيوان ناطق » بحيث تجعله « حيوان ناطق يسكن جزيرة العرب » فعندئذ تنحصر دائرة المحدود في طائفة قليلة من الناس ، بعد أن كان المحدود هو الناس جميعا ، وكذلك إذا انتقصت من الحد ، أدى ذلك إلى زيادة المحدود ، كان تقول في حد الحمار إنه حيوان ذو أربع قوائم ، فتنقص فصله المتمم لنوعه وهو النهاق ، وبهذا تتيح بهذا النقصان في الحد لكل ذي قوائم أربع الدخول في ذلك الحد ، ولا تجعله حدا مقصورا على الحمار وحده ، لكن زيادة الحد لا تنقص من المحدود إلا إذا كانت زيادة تشمل بعض أفراد النوع دون بعضهم الآخر ، كان تضيف إلى حد الإنسان عبارة « متكلم بالعربية » فيصبح : « الإنسان حيوان ناطق متكلم بالعربية » فالزيادة هاهنا تؤدي إلى نقصان المحدود ، أما إذا كانت الزيادة صفة شاملة للنوع كله ، أي أنها خاصة من خصائصه المميزة ، مثل إضافة كلمة « الضحاك » إلى حد الإنسان بحيث يصبح هذا الحد هو : « الإنسان حيوان ناطق ضحاك » فمثل هذه الزيادة لا تؤدي إلى نقصان المحدود ، وأما النقصان من الحد فهو مؤد إلى زيادة المحدود لا محالة على أي وجه جاء هذا النقصان منه ، وذلك لأن الحد مؤلف من الجنس والفصل الذي يميز النوع ويحدثه ، فإذا أنقصنا من الحد أحد فصوله المميزة للنوع دخل في النوع ما ليس منه . . . نعم إن جابر لم يزد شيئا على ما قاله أرسطو في الحد ( التعريف ) ، ولكن حسبه - وهو العالم الطبيعي - أن يتنبه إلى ضرورة الأساس الذي ينبني عليه تحديد المعاني ، لكي يقيم عليه العالم بناءه العلمي في دقة منطقية ، وسنورد في موضع آخر من هذا الكتاب ( 3 ) تصنيفه للعلوم وتحديده لها تحديدا يميزها بعضها من بعض ، كما قد صنع كل صاحب منهج في تاريخ الفكر . رجل التجارب العلمية : لقد أسلفنا القول في رأي جابر عن مصدر العلم ما ذا عساه أن يكون ؟ وهو أن مصدر العلم وحي أولا ينزل على النبي ( ص ) ، ثم يتوارثه خلفاؤه من بعده - خلفاؤه المعترف بهم عند الشيعة - ثم يجيء التلقين من هؤلاء لمن رأوه من التلاميذ صالحا للتعلم ، ومعنى ذلك بعبارة موجزة أن مصدر العلم أستاذ مؤهل من جهة ، واستعداد فطري عند التلميذ من جهة أخرى . والحق اني لا أعرف كيف أوفق توفيقا أطمئن إليه بين هذا الرأي في مصدر العلم الأول - وهو الوحي يأتي من الخارج - وبين منهجه التجريبي في بحوثه العملية ، وهو منهج نموذجي في دقته وفي حرصه على التثبت ؟ أيكون العلم عنده نوعين : فنوع تلقيني خاص بتحصيل الأحكام الشرعية وما إليها ، ونوع آخر كشفي علمي تجريبي خاص بالعلم الطبيعي ؟ يجوز أن يكون الأمر كذلك ، لأنه في تصنيفه للعلوم ( 4 ) قد قسم العلوم قسمين أساسيين : علم الدين وعلم الدنيا . وأيا ما كان الأمر ، فلجابر منهج تجريبي يصطنعه في بحوثه الكيمياوية ، جدير بالبسط والتحليل ، فهو حريص على أن يقصر نفسه على مشاهداته التي تجيء التجربة مؤيدة لها ، إذ قد تكون الظاهرة المشاهدة حدثا عابرا لا يدل على اطراد في الطبيعة ، يقول جابر في رسم خطته العلمية : « يجب أن تعلم أنا نذكر في هذه الكتب ( يشير هنا إلى الكتب التي بحث فيها خواص الأشياء ) خواص ما رأيناه فقط - دون ما سمعناه أو قيل لنا وقرأناه - بعد أن امتحناه وجربناه ، فما صح أوردناه وما بطل رفضناه ، وما استخرجناه نحن أيضا وقايسناه على أقوال هؤلاء القوم » ( 5 ) . فهو في هذا النص يهتم اهتماما خاصا « بشهادة الغير » - سواء أكانت شهادة مقروءة أم مسموعة - هل يؤخذ بها في البحث العلمي أو لا يؤخذ بها ، فتراه لا يعتد بها إلا على سبيل التأييد لما يكون قد وصل إليه هو بتجاربه ، وهذا ولا شك إسراف منه في الحرص ، لأن العلم يستحيل أن يخطو في تقدم مطرد ما لم يأخذ اللاحقون عن السابقين علمهم ، وكل ما ينبغي التثبت منه هو أن نستيقن من أمانة أولئك السابقين الذين عنهم نأخذ ما نأخذه ، أما أن يقتصر العالم على مشاهداته هو وحده وتجاربه هو وحده ، وألا يلجا إلى أقوال غيره من العلماء إلا على سبيل الاستشهاد على صدر ما قد انتهى إليه هو نفسه من مشاهداته وتجاربه ، فلذلك التزام لما ليس يلزم ، لكنه على كل حال التزام يكشف لنا عن مبلغ دقة هذا العالم في منهج بحثه ، وإنك لتراه في مواضع أخرى يتخفف بعض الشيء من التزامه المنهجي هذا ، ويجيز لنفسه قبول النتائج العلمية التي ينقلها إليه الآخرون ، فهو في ذلك يقول - مثلا - : « وما لم يبلغنا ولا رأيناه ، فانا من ذلك في عذر مبسوط » ( 6 ) أي أن للعلم المحقق المقبول عنده مصدرين : فاما الرؤية بحاسته ، وإما رؤية الآخرين كما تبلغه ، ولا شك أنه يضمر شرطا لهذا الذي يبلغه عن الآخرين ، وهو أن يكون هؤلاء الآخرون من الثقات المركون إلى أمانتهم العلمية .
--> ( 1 ) الجزء الأول من كتاب الأحجار على رأي بليناس - مختارات ، ص 138 . ( 2 ) مختارات ، ص 97 - 102 . ( 3 ) انظر الفصل الآتي . ( 4 ) انظر الفصل الآتي . ( 5 ) المقالة الأولى من « كتاب الخواص الكبير » - مختارات كراوس ، ص 232 . ( 6 ) الجزء الأول من كتاب الأحجار على رأي بليناس ، مختارات ، ص 132 .